الراغب الأصفهاني

9

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

* صنوف الإخوان قال لقمان : الإخوان ثلاثة : مخالب ومحاسب ومراغب ، فالمخالب الذي ينال من معروفك ولا يكافئك ، والمحاسب الذي ينيلك بقدر ما يصيب منك ، والمراغب الذي يرغب في مواصلتك بغير طمع . وقال المأمون : الإخوان ثلاثة : أخ كالغذاء لا يحتاج إليه كل وقت ، وأخ كالدواء يحتاج إليه أحيانا ، وأخ كالداء لا يحتاج إليه أبدا . * اختبار الصديق عند الغضب قيل : إذا أردت مصافاة رجل فأغضبه ، فإن ملك نفسه فصاحبه ، وإلا فلا تصاحبه . قال الشاعر : لا تحمدنّ امرأ يرضيك ظاهره * وأخبر مودّته في العتب والغضب « 1 » وقيل : كان بين حاتم طيئ وبين أوس بن حارثة ألطف ما كان بين اثنين . فقال النعمان لجلسائه : لأفسدنّ ما بينهما فدخل على أوس ، فقال : إن حاتما يزعم أنه أفضل منك ، فقال : أبيت اللعن صدق ولو كنت أنا وأهلي وولدي لحاتم لوهبنا في يوم واحد . وخرج فدخل على حاتم ، فقال له : مثل ذلك ، فقال : صدق وأين أقع من أوس وله عشرة ذكور دونهم أفضل منّي ؟ فقال النعمان : ما رأيت أفضل منكما . اعتبار من تريد مصادقته بصديقه قبلك قيل : إذا أردت أن تعرف صاحبا كيف يكون لك ، فانظر كيف كان من قبلك ، فإن أحمدته فاستخلصه لك وإن ذممته فتنكّبه . * الاعتبار بالعين والاعتماد على ما في القلب قيل : اعتبر ما في قلب أخيك بعينه ، فالعين عنوان القلب . وقيل : شاهد الحب والبغض اللحظ ، فاستنطق العيون تعلم المكنون . قال شاعر : تقلّب أحوال الفتى في أموره * تبيّن عمّا تقتضيه ضمائره وفي لحظ عينيه وفي حركاته * دليل على ما تحتويه سرائره قال إسحاق : ستور الضّمائر مهتوكة * إذا ما تلاحظت الأعين « 2 »

--> ( 1 ) يدعو الشاعر إلى عدم الركون إلى ظاهر الأشخاص مشدّدا على اختبارهم في أوقات اللوم والغضب . ( 2 ) مهتوكة : من هتك الستر خرقه ليكشف ما وراءه وهتك اللّه ستره فضحه - يقول إن العيون حين تتلاحظ قادرة على كشف ما يجول في الضمائر والبواطن .